صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

377

تفسير القرآن الكريم

الجرمانية بالكلية ، واستغفرت وتابت وأنابت ، ورجعت وآبت « والتائب من الذنب كمن لا ذنب له » . فانظر إلى حكمة الصانع كيف أبدع قوة عاقلة ، يعمل في المحسوس عملا يجعله معقولا وعاقلا . فعلم مما ذكرنا أن لكل الأشياء سلوكا طبيعيا خاصا نحو الخير الأقصى والمقصد الأسنى ، فلكلّ سافل سلوك نحو العالي ولكل عال رحمة وعناية بالسافل تشبّها بالمبدأ الأولى في إفاضة الخيرات كلّها ، وعلم أن الغذاء - مثلا كالمغتذي يتطوّر بالأطوار ، ويتسمّى في كل طور وعالم باسم خاصّ يناسبه . فأدون المنازل وأدناها عنصر ، ثمّ بعد الاستحالات جسم مركّب جمادي كالحنطة والخبز والزيت ، ثمّ بعد مراتب التصرفات دم وخلط صالح ، ثمّ لحم وغضروف وعصب ، ثمّ بخار لطيف حارّ ، ثمّ صورة حاسّة ومحسوسة ، ثمّ صورة خيالية ، ثمّ صورة وهمية أو عقلية - وهلمّ إلى درجة مشاهدة الأنوار الإلهية ، ومعاينة الصفات اللاهوتية والأسماء الربّانية . فيكون لها في كل مرتبة من المراتب الخلقية والأمريّة ، وبحسب كل كسوة وخلقة من الأكسية والخلع النورانية والظلمانية اسم خاصّ . فضرب اللّه مثلا للذين آمنوا منك ودرجاتك في العرفان والارتقاء إليه - إلى أن يصير نورا على نور - بشجرة الزيت ، وارتقائها إلى غاية الكمال وسلوكها إلى سبيل الاهتداء بعالم النور المحسوس ووصولها إليه حتّى تصير نورا على نور . فالشجرة الزيتونة بمنزلة نبات يثمر غذاء وطعاما لطيفا للإنسان الكامل